وَقَعتِ الوَاقعَةُ

0 0
Read Time:3 Minute, 25 Second

بقلم: تسنيم الشام

طالبة جامعية

جسور اسطنبول

بين أحضان أرضها الخضراء ولدت، على صوت مآذنها تعودت، في أزقتها سقطت و بياسمينها الأبيض مسحت حزن القلب ..

الغوطة الشرقية ليست مسقط الرأس، بل مسقط القلب و بداية الحب .

النزهات العائلية، المسجد الأموي و ساحاته، سوق الحميدية .. كل هذه الذكريات الجميلة لا شبيه لها في زوايا القلب .

أما عن جبل قاسيون فله حكاية أخرى .. ستبحر في جمال بيوتها المضيئة ليلا، الساطعة حباً و دفئاً

حينها قلبك لن يرى دمشق فحسب سيكون أمامه شي أعمق من أن تكفيه تلك الكلمة .

في إحدی تلك النزهات العائلية المعتادة و في لحظة مفاجئة بدأ صوت دوي رصاص ينتشر في سماءنا الزرقاء و من خلفه صدى سيارات الاسعاف ..

تلك النزهة لم تكن معتادۃ كما حسبنا!

لقد كانت لحظة تحول في حياتنا، كل تلك الأصوات كانت إنذار حرب قادمة مجهولة الأمد .

أجهل سبب استهدافهم لغوطتي و كأنها أجرمت بحقهم فأرادوا الانتقام !

بدأت الهجرۃ للخارج حينها لم يخلوا الأمر من هجماتهم على بيوتنا و إذلال شبابنا و آبائنا و في بعض الأحيان تصويب رصاص على أطفالنا لحرق قلوب امهاتهن ..

و عندما استطاع شبابنا إخلاء أثرهم من هنا لم ييأسوا من ظلمهم بل أصبح بيدهم طريقة جديدة لقتلنا ألا و من أحدها حصارنا و منع دخول طعام أو شراب أو وسيلة تدفئة تقينا من برد الشتاء .

كم مؤلم على قلب أب سماعُ بكاء طفله جوعاً او ابنته برداً و هو عاجز عن فعل شيء حيال ذلك .

كيف لطفل أن يفهم ان ثمة قلوب قاسية سَلبت منه أبسط حقوقه؟

أتساءل كيف تلتقط الملائكة أرواح الأطفال الجائعين؟

هل تغريهم برغيف خبز طازج أو قطعة من سكر ؟!

في إحدى ليالي عام 2013 شهدت الغوطة نوعاً جديداً من آليات القتل لا أدري كم طال تفكيرهم بها ربما شهور و ربما ايام .. لا أدري حتّى إن كانوا يفكرون سوى بالتخلص منا !

اعتلت أصوات سيارات الاسعاف من جديد!، ذلك الصوت الذي دائما ما اعتبره بدايۃ اللانهايات، فبعض الأصوات لا تنتهي أبداً، حتّى بعد أن تنتهي تتكاثر و تتناسل لتبقى تتردد بداخلنا .

اليوم كان انذار غاز سام يدعى بالسارين من نجى من الموت منه لم ينجُ من أعراضه و تأثيراته .

و أقبح كابوس عاشه الجميع هو البحث عن العائلة في ساحات الموت و الصراع معه .

تلك أم تبحث عن طفلها و ذاك أب يهرول بحثا عن زوجه و ابناءه .

لحظات أشبه بيوم القيامة فرّوا منا أحبابنا دون رغبة منا.. و استشهد اليوم ما يقارب ال 1400 مدنيا .

في تلك الساعات تحول المسعفون لملائكة بأعين المصابين، فالنّاس هنا لا تركض خلف الشهرة أو المال بل خلف اسعاف الموتى أو الموت لإسعاف الوطن .

بقيت تلك الجريمة عالقة في ذاكرتي، فأيّ بشر هذا الذي ينسى جريمۃ كتلك أو يوماً كهذا ؟

ليست الجرائم فقط هي التي فاقت العجب، حتى الحوادث الطبية لم يشهدها الطب يوما، كما قال أحد أطباء مشافي الغوطة: ” جاء قبل قليل طفل أزرق الوجه بالكاد يتنفس فمه مليء بالرمال، انت تستقبل طفلا عمره عام تم انقاذه من تحت الحطام “.

مشهد تكرر في الذاكرة لا يمكن الاعتياد عليه و كيف نعتاد أن نرى يداً بُترت جراء محاولة إنقاذ جسد !

أهكذا تتحول اعضاؤنا لفدائيين من أجل أرواحنا ؟!

بعد سنين فرضت علينا الهجرة و فرض علينا ترك ما حاربنا و صبرنا من أجله ..

الهجرة لم تكن سهلة أبداً لكن البقاء أيضا لم يكن كذلك، لكن ربما تكون الحكمة هي العودة في يوم موعود بقوة اكبر، و لربما نجد ضماداً و جبراً لكسورنا و خيباتنا و مقوياً لهمة قلوبنا و شرارۃً تشعل فتيلة الامل بداخلنا ..

ربما تكون هنالك سبع بقرات سمان بعد كل تلك العجاف و سبع سنابل خضرٍ بعد تلك اليابسات.

فتلك الأيام يداولها الله بين الناس، مرة تُغلب الروم و مرة هم على غلب الفرس لقادرين .

 فمن كان منتصراً عزيزاً في مرحلة ما قد ينتهي خاسراً ذليلاً في نهاية المطاف. فلقد نصر الله المسلمين في بدر و هم ضعفاء و نحن متيقنون بالنصر كيقين صائم بالغروب ..

و علينا أن لا نكون أسرى لمشاعر اليأس عند السقوط .

فثمة يوسف داخلنا و ثمة بئر في حياتنا، لا بد من السقوط به لنعود أقوى مما كنا عليه ، وثمة اخوة يوسف أيضاً يلقون بنا مراراً و لا بد من قافلة لعزيز ..

في النّهاية كل القصص متشابهة بعد أن تجردها من التفاصيل، الأسماء، الأماكن و التواريخ ..

فيوسف الصّديق لم يصل من البئر إلى القصر دون المرور بالسّجن …

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.