قصة مروعة حدثت مع طفلة سورية في قسم المعالجة الفيزيائية في إحدى المشافي التركية

0 0
Read Time:3 Minute, 6 Second

بقلم: أ. محمود بشير

محاضر و كاتب

جسور اسطنبول

بدأ الأدرينالين يرتفع قليلاً عندما اتصلت بي صارخةً في وجهي تريدني مسرعاً في الحال، في وحدة المعالجة الفيزيائية في مشفى “شهير” للتعليم والأبحاث في مدينة مرسين التركية، المشفى الأكبر في تركيا والشرق الأوسط.

كنت في القسم الشمالي من المشفى وكنت وحيداً لأن صديقي لم يأتي إلى العمل بسبب مرضه الذي اشتد كثيراً، كان الازدحام شديداً مخيماً على أبواب جميع غرف المعاينات، والمرضى السوريون في كل مكان في الإسعاف وقسم العناية المشددة و المركزة والانعاش والتخدير.

واللاسلكي الذي بيدي لا يعرف السكوت والهدوء بسبب كثرة الاتصالات والطلب الكثير، وهاتفي المحمول الخاص أيضا، الجميع يتصل ويطلب المترجم وانا أطير بلا أجنحة من مكان لآخر ناسياً حتى استخدام المصاعد الكهربائية، لكي لا أجعل المريض ينتظر وأقدم عملي بسرعة فائقة. 

اتصلت بي في المرة الثالثة وكانت مكالمة طويلة لن يتسنى لنا أن نفهم شيء، لأن كلانا يصرخ ولا يريد سماع الطرف الآخر او إعطاءه فرصة في التحدث، كنت حينها في قسم العناية المشددة برفقة الطبيب الذي يدلي بمعلومات متعلقة بحالة المريض الصحية وتطورها لذويه واقاربه.

بدأ الفضول يأكل وجنتيِ وحط الشيطان يلعب برأسي لكي اذهب الى ذاك القسم وألقن تلك الطبية درساً لن تنساه، لتجاوزها الحدود المهنية وتعاملها بهذا الاسلوب الفظ غير آبهة بأحد.

خرجت راكضاً في استراحة الطعام إلى ذلك القسم هائجا بأنفاسي، وهناك كانت الطامة الكبرى، الطبيبة وفي حُجرها  فتاة صغيرة بعيون مكسورة سُرقت طفولتها التي لم تتجاوز الرابعة من عمرها، مصابة بشلل نصفي ترافقها أمها المسكينة الشريدة التي رسم الزمان حدود الغدر والبأس على وجهها الحزين.

عند وصولي بدأت الطبيبة بالبكاء الشديد معتذرةً عن فقدان صوابها والتصرف بهذه الطريقة الغير مهنية في العمل، وأنا أهدأ من روعها وأقول لها لابأس (هوجا) كلمة تركية تقال للأشخاص الاكبر سننا أو قدراً او مرتبة علمية.

ما الأمر سيدتي؟

نبرة مذبوحة بالكاد تخرج الحروف شارحةً الموقف، البارحة أتت أم الفتاة مخطئة  بموعدها إلى المشفى في نهاية الدوام، وكان الجو شديد البرودة والمطر والعواصف تنزع أوراق الشجر، وكان عدد المرضى أكثر من طاقتنا الاستيعابية بكثير. 

واليوم هو قدومها الثاني وطفلتها بحاجة إلى جلسات المعالجة الفيزيائية، علماً أنها استنزفت جميع الجلسات الثلاثين المخصصة لكل مريض، وبسبب عدم إدراك الأم اللغة التركية، فأجد صعوبة في تعليمها والتواصل معها وانا واثقة بأنها تقوم بهذه التدريبات بشكل خاطئ في البيت، لأن حالة الطفلة من سيئ لأسوء، واليوم هو يوم عطلتي وقد أتيت الى المشفى طواعية من أجل هذه الطفلة متبرعة بيومي واستراحتي  لهذه البريئة التي كان ذنبها الوحيد أنها ولدت في زمن كان الصوت فيه لراجمات الصواريخ والدبابات ليس لصوت الحق، ولدت في زمن تكالبت فيه الأمم على قتلهم في زمنٍ بيعت به الانسانية في سوق النخاسة.

بقينا هناك ساعة ونصف قمت بتصوير جميع الحركات التي طبقناها على الطفلة لكي تطبقها الام في البيت بشكل يومي، ولكي ننشط العضلات الميتة في جسم الطفلة علما أن الجلسة الطبيعية لا تتجاوز 30 دقيقة ويتقاضى عليها الأخصائي ما لا يقل عن 200 ليرة تركية.

كل هذا وأكثر كان من دون مقابل، رجحت كفة الحب والتضحية والرعاية في ميزان انسانيتها.

ضحينا بوقتنا واستراحتنا وطعامنا بالرغم من الجوع الذي كاد أن يوقعني أرضاً بسبب هبوط السكر بشكل مفاجئ في جسدي، لأنني اعاني من اضطراب في عمل سكر الدم منذ 22 عاما.

ساعة ونصف سرقنا الانسانية وأعدناها إلى موطنها الأصلي متوجين أوسمة الشرف في أعلى مراتبها.

ساعة ونصف استطعنا أن نعيد الابتسامة التي قطعتها أيام الغربة على وجه الطفلة والأم

التي ذرفت الكثير من الدموع، كم احتضنت الطفلة، كم قبلتها وعطرتها ومسحت دموع ألمها أثناء القيام بالمعالجة الفيزيائية المؤلمة حقاً والقاسية على أقدام الطفلة التي تيبست عروق قدميها ونشفت عضلاتها، كم قدمت لها من الدمى وكم التقطنا من الصور.

أصبحت العملية تزداد اسبوعاً تلو الآخر بشكل سري بدون تقييد على جداول المرضى، فكما أسلفت سابقاً فالمريضة استنفذت جميع جلساتها ولله الحمد وضع الطفلة من تحسن لأخر.

ساعة ونصف وكأنها دهر من حب.. حولُ  من سكينة.. عام من سعادة.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.