في حضرةِ رامي بن مخلوفٍ القِرداحي!

0 0
Read Time:4 Minute, 0 Second

بقلم : عمر كيالي

طالب جامعي

جسور اسطنبول / مدونة ساخرة
يُحكى أن رجلاً دخل قريةً نائية, وطلب رامي ابن مخلوفٍ القِرداحي، وقد كان معروفاً في زمانه بالزهد والورع والعفاف, على ما كان له من سيادةٍ في قومه وجاهٍ في عشيرته.
فكان الرجل كلّما سأل أحداً من أهل القرية عنه قالوا له: “يرحمك الله, ما نعلم له مكاناً إلا المسجد و خلوةً يقيم بها لا نعلم لها موضعاً”. ثم أشار عليه البعض أن يذهب إلى داره عسى أن يرشده إليه بعض من أهله.
فمشى الرجل حتى وصل دار ابن مخلوف، فلم يجد عنده بوابين ، فطرق الباب فخرجت له واحدة من بنات ابن مخلوف تتستر في برقعها حياءً و تورب الباب بين فاتحة و موصدة له.
فقال الرجل: يا أَمَة الله ، دُلّيني على أبيكِ…
فقالت: إنه والله يتحنث في خلوةٍ اصطنعها لنفسه ، وما أشاء أن أقطعها عليه بعرضٍ زائل من الدنيا.
فقال الرجل : أي بُنيّة ، نِعم بنتُ الرجلِ أنتِ ، والله إني أعلم ذلك وما أنا بقاطع خلوة رجلٍ مثل رامي ابن مخلوف ، إلا لأمر جَلل ، فدلّيني عليه أرشدكِ الله.
فقالت الفتاة: إن كان ذاك، فاذهب فالتمسه في صومعته عند موضع كذا وكذا مسيرة كذا وكذا.

فانطلق الرجل حتى إذا بلغ الموضع كان الليل قد ادّلهم ، فوجد حجرةً صغيرةً قد بنيت من حجرٍ أصفر ، بهيئة لا تكاد تتسع إلا لصلاةِ الرجل ومتاعه ، وقد وضعت أمامها بضع رزم من حطب.
فتقدم الرجل و دخل الحجرة، فلما دخل شعّ نورٌ من ظلام الحجرة أضاء قصور البيت الأبيض!!، حتى لَهّم الرجلُ أن يفِرَّ من فوره لولا أن ربط الله على قلبه. فلمّا تجلى النور, نظر الرجل إلى صدر الحجرة فوجد رامي ابن مخلوف قائماً يصلي في المحراب وفوق رأسه طيرٌ نائم يظنه ساق شجرةٍ لطول مُكوثه في الصلاة! فلما دنا الرجل منه لم يلتفت إليه ابن مخلوف لشدة خشوعه, وكان يجهش بالبكاء حتى ابيضّت عيناه من الدمع!. فقعد الرجل عند بابه ينتظره يفرُغ من صلاته حتى طلعت الشمس.
فلمّا كان ذلك فَطِن إليه ابن مخلوف فسأله دون أن يلتفت إليه وقد جفت عيناه وقال: أي أُخيّ, متى أتيتني؟ فوالله ما شعرت بكَ إلا الساعة.
فقال الرجل : إني والله قد عذرتك ، فقد كنت في خلوةٍ مع ربك ، وكرهت أن أكون سبباً في قطع الصلة بين الأرض والسماء.
فقال ابن مخلوف: بُوركت أخي … بُوركت ، فما حاجتك؟
فقال الرجل: أردت أن تبرؤ ذمتي ويطمئن قلبي. وإني قد سألت في البلاد بطولها وعرضها, فما وجدت رجلاً أتقى لربه و لا أرعى لحرمات ماله منك أستفتيه، فأفتني.
فلما سمعه ابن مخلوف تنهّد بعمق و قال: صدقت, فوالله لا أملك من حطام الدنيا شيئا. وسكت برهة من الزمن ينظر ثم قال: إلا هذا الآيفون أُصوّر به مقاطعي… أدعو إلى الله… وهذه الحطبات ورائي كديكور للمشهد ، احتطبتها من شجيرات هذه الغابة… فوالله لا أمتلك غيرهما و لا أبتغي إلا وجه الله وحده ….
ثم مالبث ابن مخلوف أن استفاق وظن أنما قد فُتِن, فهرع من مكانه يسجد إلى الله باكياً ويستغفر، ويقول: ولله إن هذه الشجيرات ملكٌ للمسلمين وأخشى أن يسألني ربي عنها .. لِمَ قطعتها واحتطبتها لتزيّن بهم مشهدك, وفي أطفال المسلمين من يناله البرد في كل ليلة… ويل ابن مخلوف … اين اذهب بوجهي أمام الله …
وجلس ابن مخلوف يمسك التراب ويعفّر به وجهه ويقول: ويلي ويلي…غفرانك ربي ، أأبيت وفي داري حطب وآيفون وأطفال المسلمين يتضورون جوعاً.
فما زال كذلك حتى هدأ روعه وسكنت إليه نفسه, ثم قال : يا رجل ، أما والله قد بعثك الله إليّ لتفتنني, فقل حاجتك أو أَقصِر، فوالله إني أخشى أن يَقلب الله قلبي بعد إذ هداني ، وقد علمتُ أنه مالي من حقٍ في هذه الحطبات, فأقوم من فوري فأحملها على ظهري والآيفون في يدي وأمضي إلى ديار المسلمين فأبيع الآيفون وأبتاع بثمنه القمح والسمن ، وأمضي حتى أشعل لأطفال المسلمين ناراً وأطبخ لهم ما يسد جوعهم، ثم أرجع إلى خلوتي هذه عسى الله أن يقبضني إليه غير مفتون.
فقال الرجل: هوّن عليك يا ابن مخلوف فإنما أنت بشر تخطىء وتصيب … وقد علم الله صدق قلبك.
فقال ابن مخلوف: يا رجل ، قل حاجتك وأمسك عني ، ولا تفتني في ديني أكثر مما فعلت.
فقال الرجل: إني سيد في قومي, وإن كانوا أراذل البشر ولكنهم قومي, وإن لي مجلساً وضعت في صدره صقراً محنطاً وقارورة زجاج قد ورثتهما عن أبي المجاهد في سبيل الله. فهل في ذلك شيءٌ من فخر الجاهلية؟
فقال ابن مخلوف: أما الفخر فهو هيّن..
فقال الرجل: ويلي, وهل بعد ذلك شيء..
فقال ابن مخلوف: والله لم أنظر في وجهك مذ أتيت مخافة أن ترى دمعي الذي بكيته في خشية الله ، ولكني إن لم أرى ببصري فإني أرى ببصيرتي. فوالله ما القارورة ولا الصقر من ملكك في شيء.
فقال الرجل: ويحك إنما ورثتهما عن أبي!!
فقال ابن مخلوف: ايييه رحم الله عمتي ، وهل يرث من لا أبَ له؟؟!!
فصعق الرجل وخرّ على الأرض مغشياً عليه.
….
فلما أفاق قال: ويلٌ لأنيسة … ويلٌ لأنيسة … ويلٌ لأنيسة … فما زال يرددها حتى خرجت منه ريحٌ منكرة!!

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.