سورية وروسيا . صداقة من نوع آخر

0 0
Read Time:5 Minute, 2 Second

جسور اسطنبول

د. شاهر إسماعيل الشاهر

ضجت مواقع التواصل الاجتماعي المعادية لسورية في الآونة الأخيرة بالترويج لأخبار مفادها حدوث توتر في العلاقات السورية الروسية، وهو أمر اعتدنا عليه في سورية منذ بدء الحرب على وطننا والتي لعب الاعلام فيها دوراً كبيراً. فما حدث في بلدنا من خراب ودمار كان نتيجة لإعلامهم (إعلام ما بعد الحداثة) الذي لم يعد ناقلاً للخبر، بل أصبح صانعاً له ومفبركاً ومزيفاً لنشره، والسعي لخلق رأي عام يدغدغ عواطف العامة ويحرض فيها منطق القطيع، ليقتصر دورها على النشر لكل ما تسمع. فإذا كان من حق الإعلام أن يوجه السياسة، أليس من حق السياسة أن تضبط الاعلام..؟

واليوم، وبعد أن أصبحت وسائل الإعلام تصنع الأحداث ولا تنقلها فقط، فإن مواقفنا التحليلية والسياسية معرضة بشكل كبير للتشويش، ومن هذا المنطلق، ولفهم مدى عمق وتجذر العلاقات السورية الروسية لابد من استعراض مكثف لتاريخ هذه العلاقات.:

تعود العلاقات السورية الروسية الى أربعينيات القرن الماضي، وقد شهدت العلاقات بين البلدين مداً وجزراً حسب تغير الأنظمة والقادة بين البلدين، لكن الثابت الوحيد في هذه العلاقة أنها بقيت رغم كل الظروف استراتيجية لكل منهما. فقد كان الاتحاد السوفياتي من أولى الدول التي اعترفت باستقلال سوريا وأقام علاقات دبلوماسية معها في العام 1944. ولعب دوراً كبيراً في دعوة سورية الى مؤتمر سان فرانسيسكو التأسيسي للأمم المتحدة فكانت سورية من الدول المؤسسة لمنظمة الأمم المتحدة في العام ١٩٤٥. وفي العام ١٩٤٦ كان الاتحاد السوفييتي أول من أيد جلاء الاستعمار الفرنسي عن أرض سورية.

لكنه أيد قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين العربية عام ١٩٤٨، لرغبته في التخلص من اليهود الذين سيهاجرون إلى فلسطين وهو ما أدى الى فتور في العلاقات السورية السوفيتية آنذاك.

ومع وصول الرئيس شكري القوتلي الى الحكم والاطاحة بحسني الزعيم في عام ١٩٥٤ تطورت العلاقات الاقتصادية بين البلدين ورُفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين البلدين ليصبح على مستوى تبادل السفراء. وكان للاتحاد السوفيتي موقف رافض للعدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦، وفي كانون الأول عام 1957، وقعت سوريا والاتحاد السوفيتي اتفاقية للتعاون الاقتصادي، تضمنت تقديم مساعدات لسوريا بقيمة 300 مليون دولار وهو العام الذي كانت تعيش فيه سورية أزمة كبيرة مع تركيا. وعندما قامت الوحدة بين  سورية ومصرية عام ١٩٥٨ رأى السوفييت فيها تهديداً للمد الشيوعي في سورية.

ومع استلام حزب البعث العربي الاشتراكي للحكم في سورية في ٨ آذار ١٩٦٣ شهدت العلاقات بين البلدين بداية تحسناً كبيراً، وفي كانون الأول 1966، تم الاتفاق مع الاتحاد السوفيتي على بدء تنفيذ أعمال البناء في سد الفرات المشروع الحيوي الأضخم في تاريخ سورية منذ الاستقلال وحتى اليوم.

ومع قيام الحركة التصحيحية واستلام الرئيس حافظ الأسد لمقاليد الحكم في سورية، أصبحت العلاقة بين البلدين استراتيجية حيث قدمت موسكو لسورية دعماً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً واسعاً مقابل السماح لها ببناء قاعدة عسكرية في مدينة طرطوس على المتوسط لتحقيق الحلم الروسي بالوصول إلى المياه الدافئة.

وقدم الاتحاد السوفييتي دعماً كبيراً لسورية في حرب تشرين التحريرية عام ١٩٧٣. وفي العام ١٩٨٠ وقع الرئيسان حافظ الأسد وبريجينيف معاهدة للصداقة والتعاون بين البلدين مدتها عشرون عاماً.

وتطورت العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والثقافية واستمر الوضع حتى عام ١٩٨٩حينما انهار الاتحاد السوفييتي وهو ما أثر بشكل كبير على سورية، حيث فقدت الحليف الاستراتيجي الذي لطالما لعب دوراً كبيراً في تعديل كفة التوازن الدولي في المنطقة. لكن قدرة ودهاء الرئيس حافظ الأسد وادراكه وفهمه العميق للمتغيرات الدولية مكنه من تجاوز أزمة اختلال التوازن الدولي، فدخل في التحالف الدولي ضد العراق، وقبل الدعوة الامريكية لانعقاد مؤتمر مدريد للسلام عام ١٩٩١ بعد أن فقد الحليف السوفييتي وبعد تدمير الجيش العراقي الذي كان يشكل عاملاً رئيساً في معادلة التوازن مع العدو الصهيوني.

لقد أدركت سورية أن العلاقة مع روسيا الاتحادية ستكون محكومةً بالمصالح والاعتبارات المصلحية بدلاً من الاعتبارات الإيديولوجية والشعارات، وأن الهدف الأساسي للسياسة الخارجية الروسية سيكون في المرحلة المقبلة هو خدمة الأهداف والمصالح الاقتصادية أولاً.

ومع وصول الرئيس بشار الأسد الى الحكم في العام ٢٠٠٠ تحسنت وتطورت العلاقات بين البلدين، حيث تم توقيع ٤٣ اتفاقية ومذكرة تفاهم بين البلدين شملت جميع المناحي الاقتصادية والعسكرية والثقافية الخ. وتوصل الجانبان إلى إعادة جدولة الديون السورية لروسيا وشطب نسبة كبيرة منها في العام. ٢٠٠٥. وفي العام ٢٠٠٨ تم الاتفاق على انشاء قاعدة بحرية دائمة واطلاق مشروع للغاز في الفرقلس بمحافظة حمص. وزار الرئيس الروسي ميدفيدف سوريا في العام ٢٠١٠ حيث تطورت العلاقات بين البلدين بشكل كبير وخاصة على الصعيد العسكري والأمني.

ومع بدء أحداث عام ٢٠١١ في سورية، وقفت روسيا الى جانب الحكومة الشرعية في سورية في حربها لمكافحة الإرهاب، وتجسد ذلك بالموقف الروسي الداعم لسورية في مجلس الأمن الدولي حيث استخدمت حق الفيتو ١٤ مرة. ثم توج بالتدخل العسكري المباشر في سورية في العام ٢٠١٥ حيث أصبح لروسيا قاعدة عسكرية (حميميم) في مدينة اللاذقية  وهي القاعدة العسكرية الثانية بعد طرطوس.

وانتهجت روسيا الاتحادية سياسةً خاصة في سورية، وبالطبع مدفوعةً بمصالح وطنية روسية من أهمها البقاء في حوض المتوسط، والتصدي لمشروع الدرع الصاروخية الأمريكية، وموازنة القواعد الأمريكية في تركيا بقواعد لها في سورية، إضافةً إلى إحباط المحاولات الغربية الرامية لكسر سيطرتها في قطاع الطاقة عبر استقدام الطاقة القطرية أو القادمة من كردستان أو آسيا الوسطى، وفي ذات السياق نظرت روسيا الاتحادية بقلقٍ بالغ لتصاعد التيار الإسلامي ووصوله للسلطة في عدد من الدول العربية، وعبَّرت عن خشيتها من تأثير ذلك التغيير في الوضع الداخلي الروسي وخاصةً في الجمهوريات الإسلامية في القوقاز والشيشان ما يشكل خطراً مباشراً على أمنها القومي. لذا قامت موسكو بتزويد سورية بصواريخ إس ٣٠٠ الاستراتيجية وهو ما يمكن سوريا من حماية حدودها مع فلسطين المحتلة والأردن والعراق ولبنان من جهة البحر.

لقد لعبت سورية على الدوام دور الحليف الاستراتيجي وموطئ القدم في المياه الدافئة التي كانت هدفاً وغايةً روسية منذ عهد القياصرة في الاقتراب من الممرات المائية التي تصل البحر الأسود بالمياه الدافئة في البحر المتوسط ناهيك عن الأهمية الأرثوذكسية التي تمثلها سورية بالنسبة لروسيا الاتحادية.

إن الموقف الروسي الداعم لسورية ثابت لم يتغير منذ اندلاع الازمة في سورية فالدعم الروسي لم يقتصر على الجانب السياسية بل تعداه إلى تزويد سورية بأحدث الأسلحة وتقديم الشهداء دفاعاً عن وحدة الأراضي السورية، فسورية اليوم هي الحليف الوحيد لروسيا في منطقة الشرق الأوسط لمواجهة الهيمنة الأمريكية، والصراع على سورية يهدد وجود الدولة وهو ما لن تقبل به موسكو مع حليف تاريخي لها. فسيطرة الإسلام السياسي الراديكالي على سورية سيغير من الخارطة الجيوسياسية في المنطقة وهذا يهدد بشكل مباشر المصالح الروسية. فالعلاقات السورية الروسية استراتيجية وستتطوّر ولن يؤثر عليها طنين ذبابهم الالكتروني الذي سمعناه في الأيام الأخيرة.

كلية الدراسات الدولية الصين

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.