مقالات و مدونات

حكاية رقمية توقظ ذكريات معاناتنا

بقلم: اليمامه شاهين

طالبة ماجيستير علوم اتصال

جسور اسطنبول

التضحية كلمة عميقة تحتاج لمزيد من المخاطرة والتنازلات التي لم أكن أدرك معناها آنذاك،  تجربة موجعة من شدة جمالها تزورني مبكراً لتعلمني أول دروس الحياة.

 لربما كان الدرس القاسي الجميل المتعب المريح، درس اشترط علي أن أترك أغلى ما أملك هناك على طاولة الحياة، وبالمقابل عدم وأد حلمي البريئ المسكين  الذي لم يكن وأده بالامر السهل علي، لم يطاوعني قلبي بعد كل هذه السنوات من حمله في أعماق قلبي أن اتركه هناك على حافة الطريق وأمشي، ومازلت إلى الآن أذكر مراحل نموه في أعماقي  ومشقة حمله،  التخطيط  لمستقبله، صعوبة إنجابه إلى حياة شرسة كالتي نحن فيها  .

إلى أن يأتي في الزمان والمكان الخطأ ويوضع على طاولة الرهان وتبدأ الحكاية…

فبعد قبولي بمنحة دراسية في تركيا أجهزت للسفر  بأيام معدودات، كانت المرة الأولى التي اودع فيها اهلي تاركة معهم جزءا من قلبي، فبعد اليوم لن تستنشق جوارحي رائحة القهوة التي تحضرها امي ولن تتمتع عيناي بسحر السكينة في قلب امي، ولن يهدأ قلبي بسماع دعوات أبي ولن يطمئن فؤادي على همسات أخي..

 سرحت  أحلق عاليا لأول مرة بعمر الثامنة عشرة، لا أحمل معي سوى حلمي وبضع ذكريات امتزجت بالحنين، حط بي القدر الى بلد البعثة  “تركيا” بلد السلاطين والملوك، بلد جديد لغة مختلفة وجوه غريبة.. لقد كان الهبوط صعبا في بلد لا أعلم عنها أي شيء.

 لملمت نفسي وبدأت بتعلم لغة البلاد التي لاتستطيع التعايش بتجاهلها، في البداية واجهت الكثير من التحديات والصعوبات في اللغة والثقافة والتأقلم ولكنني اجتزتها مؤمنة بهدفي صابرة على آلامي . حاولت من جعل هدفي حافزا ارفع نفسي بها  عن كل الكوارث المستجدة يوما فساعة، اجتزت السنة الأولى في تعلم  اللغة بتفوق وتميز، ناسجة الحكايا والاساطير لأقنع نفسي بالمثابرة، وبالفعل نجحت..

وجاءت عطلتي الصيفية الأولى بعد انتظار عشرة  شهور لأذهب وألتقي مرفأي الأول  (عائلتي)، ووبكل أسف تم رفض دخولي البلاد لجنسيتي التي لم يكن لي خيار باختيارها، تقبلت الأمر واعتبرته بابا مغلقا اضعه بجانب أصدقائه القدامى.

تجاوزت الأمر ماضية  باستقبال سنتي الدراسية الجديدة، دخلت الكلية بحماس لألقى  قسمي المنتظر، تفاجأت بقبولي بقسم مختلف تماماً عن الذي اخترته، صدمت بالواقع وحاولت استبدال التخصص وللأسف فشلت جميع المحاولات  لكونه ليس من شروط المنحة الدراسية.

زارت السكينة وطمأنينة  قلبي حينها  وهدأت من روعي، همست في أذني أنه خيار إلهي جميل وأنني سأرى نتائجه بعد زمن..

بدأت الدراسة بعد وضعي هدفا للتميز لا النجاح وبالفعل أربع سنوات كانت بجهد ونجاح دون كلل أو ملل.. أربع سنوات استطاعت أن تحببني بقسمي وتعلقني به حتى أنني وجدت نفسي الضائعة بين اقسامه الإنسانية وعلومه الاجتماعية.

تخرجت منه ولكن حلمي لم ينته بل بدأ للتو…

سجلت على الدراسات العليا بنفس الإختصاص وأنا حاليا أتابع الدراسة الأكاديمية، كان بامكاني تغيير القسم ولكنني رفضت.. أردت أن اسعى وراء قدري المكتوب…

صدفة جميلة تجمعني بعميدة كليتي، تلك الإنسانة الرائعة التي لايعرف قلبها محلا للعنصرية والتمييز. عند أول لقاء لنا شعرت أنها تراني كإنسانة وليس كلاجئة سيئة أتت لتحتل دولتهم كما يظن البعض، عند علمها بأنني سورية الجنسية طلبت التحدث معي على انفراد، كانت تريد أن تسمع حكايتي بالتفصيل.

 كانت تبحث عن تفاصيل المعاناة بين حروفي وجملي، تراقب تفاصيل وجهي ولمعة عيناي وكأنها تحلل شيئا ما بمخيلتها، في نهاية اللقاء تأثرت بقصتي (قصة هجرتي من بلدي وغربتي لوحدي). استغربت من كمية الحقائق والوجع الذي سردته عليها أرادت أن أعيده ليسمعه العالم.

 وبعد أن اخبرتها أن قصتي من أبسط القصص الواقعية شعرت بغصة وصمتت، وبعدها عرضت علي مشروعا بسيطا لنوصل به صوتنا للعالم، حيث اقترحت أن نشكل فريق مؤلف من أربع طلاب سوريين من مختلف المحافظات وأن نجتمع بها.

استاذتنا الرائعة لم تكن تشبه باقي الأساتذة، كانت إنسانة أكثر من كونها أكاديمية، بمجرد أن علمت أنني سورية أرادت معرفة الحقيقة بعيداً عن السطحية المتداولة عن اللاجئين.

 ألقت كل الصور النمطية البالية عن السوريين وراحت تستمع للحقيقة من أصحابها لا من ناسجي ومؤلفي القصص. اربع سنوات في كليتي لم أذكر أنني دُعيت من أحد اساتذتنا  ليستمع لقصتي او يسأل عن ما عشته، مع العلم أنني كنت الطالبة السورية الوحيدة والمتفوقة على زملائي الأتراك، ربما كانوا يرغبون في الإحتفاظ بالصور المنسوجة في مخيلتهم، ربما كانوا يكرهون الوجع والمعاناة والتقرب منه. ولكن هذه الانسانه كانت مختلفة كانت تحاول إكمال مهنتها على أكمل وجه وأن تتوجها بإيصال صوت المظلومين دون خوف او رادع. .

جاء اليوم الموعود، هناك على طاولة الاعترافات النائمة استيقظت كل معاناتنا وأوجاعنا، جلسنا أربعة طلاب نقص حكايا هجرتنا وتشردنا ودمار كل ما امتلكناه، هناك فقط بُحنا بكل ما بداخلنا دون حدود للخوف أو حواجز للصوت، استمعنا لبعضنا البعض بوجوه بائسة وفي النهاية لم تستطع استاذتنا إلا أن تقول “اعتذر يااطفالي اننا نعيش بدنيا كهذه”، لم تسعفها الحروف لتواسي قلوبنا الصغيرة اكتفت بالاعتذار عن شيء ليست السبب بحدوثه…

بعد الإنتهاء طلبت منا أن نكتب قصصنا على أوراق بيضاء ناصعة لا أعلم كيف اسودت بحروف أوجاعنا، تركتنا بمفردنا لنخط وجعنا بحروف أبجدية لم تكفينا قط لما حملناه بداخلنا، بعد ساعة من الزمان عادت لتصطحبنا إلى استديو الكلية وهناك قمنا بتسجيل حكايانا في الاذاعة، بأصوات مخنوقة وغصة واضحة…

لاحظنا ماحدث وطلبنا منها أن نؤجل التسجيل ليوم لاحق لكنها رفضت وقالت بأن الهدف من هذا المشروع أن تسترجعوا كل ماعشتموه وتخرجوها بنفس الوقت والمشاعر وأنها متعمدة أن يكون العمل هكذا لأن هدفها ليس إخراج قصص رقمية بدقة عالية بل إخراج أوجاع وأصوات حقيقية بعيداً عن الاصطناع.

بعد مرحلة التسجيل  انتقلنا للمرحلة الأخيرة وهي مونتاج الأصوات مع الصور، اختار كل منا صور تناسبه لتكتمل الحكاية المنتظرة..

أذكر أن صور حكايتي كانت تحمل السلام والحمام حاولت أن أقرنها بالأمل المغموس بالوجع، أردت أن أتحدى اليأس والماضي وفعلا انتصرت انا ورفاقي، استطعنا إكمال العمل و انتهى المشروع بتحقيق حلم صغير كان ينتظر على حافة الحياة، حلم أبكم استطعنا إرجاع صوته ولو ببحة خفيفة خانقة..

حكايا أربع ببضع جمل بسيطة لا أعلم إن كانت عبرت عن كل ماعشناه، لا أعلم إن استطاعت إخراج صوتنا بطريقة صحيحة، كل ما أعلمه أنه وصل لشعور كل من سمعه من جمهور وأبكاهم..

“في حياة كل منا يمامه سلام تحمل غصن زيتون، تريد نشره فوق كل الركام والدخان، يمامه صامتة تحاول بهديلها  إخفاء أصوات القصف والدمار، وتنتظر يدين كمثل يدي استاذتنا لتحررها وتطلقها في الفضاء”.

ويبقى شعاري “سأوصل رسالتي حتى وإن لم يتبق في قلبي موضع لطعنة برماح الزمان”.

مايقرأه الأخرون
مايقرأه الآخرون

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق