المذاهب الفلسفية وتأثيرها في الأدب

0 0
Read Time:3 Minute, 30 Second

جسور اسطنبول

الكاتب المغربي: مصطفى لغتيري

لا يخفى على أحد مدى تأثير المذاهب الفلسفية في الأدب، شعرا وقصة ورواية وقد ظهر هذا التأثير بوضوح خلال العصر الحديث، الذي أصبح فيه النص الأدبي مثقلا بالهموم الفلسفية، خاصة بعد الحرب الكونية الأولى، وقد تعزز ذلك بشكل أكبر بعد الحرب العالمية الثانية. ويمكن لدارس الأدب عموما أن يتتبع أثر الاتجاهات الفلسفية المختلفة في النصوص الأدبية بشتى أجناسها الأدبية، إذ نستطيع أن نلمس في قصائد شعراء الحداثة عموما، تأثير مذاهب فلسفية بعينها، كالفلسفة الوجودية وفلسفة العبث واللاجدوى وفلسفة اللاأدرية، كما يمكن ملاحظة تأثيرها كذلك على كتاب الرواية، ويمكن في هذا الصدد ذكر أدباء بعينهم كجون بول سارتر وألبير كامو وغيرهما، كما تأثرت النصوص المسرحية بالنزعة الفلسفية العبثية، من خلال نصوص صاموئيل بيكيت مثلا.

للوقوف عند أهمية تأثير الفلسفة في الأدب، كان لزاما أن نطرح ذلك على بعض المهتمين بالأدب، بذكرهم تجليات هذا التأثير، من خلال بعض الأدباء، عالميا وعربيا، من خلال بعض إنتاجاتهم الأدبية.

فكان أول من ساهم بوجهة نظر رضوان المتوكل، الذي قال بأن للمذاهب الفلسفية المختلفة تأثيرا متباينا على الأدب، إذ نلمس ذلك جليا في كثير من الإبداعات الأدبية، سواء لدى الكتاب الغربيين بصفة عامة، وحتى لدى الكتاب العرب بصفة خاصة. فحينما نتحدث مثلا عن الروائي التشيكي المعروف ميلان كونديرا، فإننا نلحظ بما لا يدع مجالا للشك، أنه تشرب المذاهب الفلسفية العديدة، واستفاد من أفكارها، سواء في كتاباته النقدية أو إبداعاته الروائية، وسنكتفي، هنا، بذكر نموذج واحد من كتبه تنطبق عليها هذه الملاحظة، وهو كتابه المشهور الموسوم بعنوان «فن الرواية». أما عربيا يضيف الأستاذ المتوكل- فلا ريب في أن معظم الأدباء العرب تأثروا بالفلسفة أيما تأثر، واستفادوا من الأطروحات الفلسفية الغزيرة استفادة هائلة، ومن بين هؤلاء نذكر الروائي المصري الحاصل على جائزة نوبل نجيب محفوظ، الذي نلمس في كتاباته المختلفة، خاصة في الرواية، تأثير الفلسفة فيه وفي أفكاره، وكذا في إبداعاته، ويظهر هذا في كتابه المعنون بـ»حول الأدب والفلسفة»، ثم في رواياته مثل رواية «اللص والكلاب» ورواية «أولاد حارتنا» ورواية «الشحاذ»، وغيرها، التي لكل واحدة منها فلسفتها الخاصة المستمدة، طبعا، من مذاهب فلسفية شتى.

ثم جاء دور فدوى الجراري، التي رأت أن الفلسفة والأدب تياران يلتقيان في بحر واحد، وكل واحد منهما يخدم الآخر بشكل أو بآخر، و قد اعتمد مجموعة من الأدباء على منبع الفلسفة، واستخلصوا منها ثيمات معينة لبناء مركبهم الأدبي، نجد من بينهم رواد الأدب العبثي، الأدب الوجودي، التجديدي، الحداثي و غيرهم كثيرون، فمثلا نجد عند ألبير كامو في رائعته المعنونة «الغريب» قد تجسدت الرؤية الفلسفية للكاتب من خلال بطل روايته، فمرر من خلالها رسائل عن بطل يعيش اللامبالاة لا قيمة عنده للحياة ولا معنى له للموت، الحياة والموت في نظره سيان، بل لا معنى ولا قيمة لأي شيء، الاتجاه نفسه نهل منه بعض الأدباء العرب، لما يفتح أمامهم عوالم الإبداع بشكل يحرر أفكارهم من أي قيود، نجد من بينهم بشكل جلي الأديب المغربي عبد الله العروي الذي تبنى من خلال أعماله فلسفة الحداثة ببعدها الكوني، فصبها في قوالب أدبية فنية وفلسفية دقيقة وعميقة، نذكر على سبيل المثال لا الحصر عمليه «أوراق» و»اليتيم» والشحنة الفكرية والنفسية والاجتماعية التي تبرز من خلالهما.

من خلال ما سبق تستنتج فدوى، أن الفلسفة تبقى في خدمة الأدب والأدب بكل قوته تعبير واضح عن فلسفية صاحبها.

أما حبيبة حيموش، فذهبت إلى أنه بفضل هذه المناسبة تذكرت إحدى محاضرات الناقد بوحمالة وهي طالبة لديه، التي كانت تطرح مثل هذه المواضيع، فبالنسبة لها لا يمكننا أن ننكر تأثر الأدب بالفلسفة في مختلف تياراتها، خاصة فلسفة العبث، التأثر الذي تجسد وانعكس على مجموعة من الإبداعات في مختلف المجالات، ذكرت منها صاموئيل بيكيت في مسرحيته في «انتظار غودو» هذا الإنتاج يجرنا مباشرة إلى مبدع عربي تأثر بالفلسفة نفسها في إحدى مسرحياته «يا طالع الشجرة» ويتعلق الأمر بتوفيق الحكيم. هذه المسرحية التي يمكن تصنيفها ضمن أدب اللامعقول أو أدب العبث.

الطالبة نهاد شباب ختمت هذه الشهادات بقولها، يلتقي مفهوما الفلسفة والأدب في نقطتين، نقطة طرح قضايا مختلفة ومعالجتها، ونقطة التعبير عن المكنون الذي يعالج هموم ولواعج النفس البشرية. واعتبرت نهاد دوستويفسكي خير مثال إن أردنا الحديث عن الفلاسفة الأدباء المتميزين بأسلوب متميز، روايته «مذكرات قبو» يبين لنا من خلالها فلسفة الإنسان الشرير المحتقر لنفسه وللناس. فلسفة الصراحة الصارمة بتعبيره عن حزنه ووضعيته المرة بأسلوب أدبي راق.

وهي تشبه المأساة الإنسانية التي يعبر عن دوستويفسكي بمرارة رواية «العريس» للكاتب المغربي صلاح الوديع، التي استلهم فيها تجربته في السجن، وهي توضح لنا أيضا فلسفته الكفاحية ضد التعذيب والاحتقار الموجه لحقوق الإنسان، من خلال رسائل مرسومة بكلمات أدبية.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.