“الكُبّة كبتنا، هيّ اللي ربتنا”.. كيف تطورت الكبّة وماعلاقة الآشوريين بها؟

0 0
Read Time:5 Minute, 51 Second

بقلم: عمر كيالي

طالب جامعي

جسور اسطنبول

“الكُبّة كبتنا، وهيّ اللي ربتنا”، هكذا وصف القدماء طبق الكبّة اللذيذ الذي كان يتغنى به غالبية الناس في مدن بلاد الشام، ويتصارعون في نسب تاريخ أصل هذه الأكلة إليهم.

البعض ذكر أن الكبّة هي أكلة عراقية في الأصل، حيث تشتهر بها مدينة الموصل التي تقع في شمال العراق ، في حين ينسب البعض الآخر الفضل في اختراعها إلى سكان مدينة حلب السوريّة، تلك المدينة الشهيرة والمعروفة بلقب “أم المحاشي والكبب”.

فما هو أصل الكبّة و ما هو دورها في التراث المطبخي العربي؟

ما هو أصل الكبّة وأين ظهرت أول مرة؟

على عكس الاعتقاد السائد، يبدو أن الكبّة أكلة موغلة في القدم حيث عرفت في البلاد التي كانت تتبع لحكم الآشوريين بما فيها العراق وسوريا وأجزاء من تركيا وإيران. وقد كانت الكبّة طبقاً فاخراً شاع بين الملوك والأمراء و الأغنياء من الناس.

وجاء أول ذكر لطبق الكبّة في الوثائق التاريخية كان في أحد النصوص التي تصف أطباق مائدة ملكية عظيمة أقامها الملك الآشوري آشور ناسير بال الثاني بمناسبة إتمام قصره في مدينة نمرود.

وقد جرى تسميتها بلفظة Gubbate والتي تشبه إلى حد كبير اسمها في اللغة العربية الآن.

ويرجع النحويون لفظ كلمة الكبّة في اللغة العربية إلى “الكبكبة” أي جمع الأشياء بشكل مكوّر، ثم حشوها وطهيها بطرق مختلفة.

تذكر بعض الأساطير أن الملك النمرود عندما أراد إحراق النبي ابراهيم عليه السلام جمع كل الحطب الموجود من بيوت الناس لاستخدامه في إحداث النار العظيمة.

وعندما لم يعد بمقدور الناس طهو طعامهم، قاموا بجرش القمح مع اللحم النيء لتسهيل استساغته وبذلك ظهر أول شكل لأكلة الكبّة النية المتعارف عليها اليوم.

وبغض النظر عن دقة هذه القصص فإنه من الشائع اليوم نسب الكبّة بشكلها الحالي إلى مدينة حلب ونواحيها التي كانت تابعة لها في العصر العثماني.

في حين ينتشر طبق الكبة اليوم في كل من سوريا ولبنان والأردن وفلسطين والعراق وتركيا وإيران، ويرتبط اسم هذا الطبق بمجموعة من المدن مثل حلب والموصل وطرابلس. حيث أن يبدو أن أهالي هذه المدن قاموا بتطوير أكلة الكبة والتفنن بأنواعها حتى ارتبطت أنواعها بأسماء مدنهم.

مكونات الكبَة وأنواعها

لا شك أنّ هناك أنواعاً عديدة للكبّة ولكنها جميعاً تشترك في كونها تحضر من البرغل “القمح” المجروش مع اللحم.

يختلف نوع اللحم ونوع البرغل بحسب طبيعة البلاد وثقافة الشعب ونوع الكبّة نفسها. لكن المشترك بين كل الأنواع هو وجود البرغل واللحم وهرسهما مع بعضهما حتى يصيرا عجينةً واحدة، تؤخذ منها كرات فيما بعد ويتم طهيها بطرق مختلفة.

في الكبّة المعروفة اليوم تختلف المكونات بحسب النوع والثقافة. ففي أغلب البلدان يعتمد البرغل الأبيض مع لحم الغنم. وتتفرد مدينة حلب ونواحيها باعتمادها البرغل الأسمر “العمقي” الذي يمنح الكبّة الحلبية مذاقاً فريداً. بالإضافة لمكونات أخرى مثل المكسرات والبهارات. كما يستخدم الرز واللبن والعدس والبطاطا والسفرجل والرمان والسماق كمكونات رئيسية في العديد من أنواع الكبَة.

أما طريقة الطهي فتختلف أيضاً فهناك القلي بالزيت والقلي بالسمن والشوي على الفحم أوالشوي في الأفران.

وكذلك هناك الكبَة المسلوقة أو المطهوة مع المرق الأحمر كالكبَة بسفرجلية، أو مع اللبن المطبوخ كالكبَة بلبنية.

كما تنتشر الكبة النيئة “النيّة” كذلك في أغلب بلدان الشرق الأوسط وتركيا.

وفي جميع الأحوال بات من الواضح أن الكبة في بعض البلدان أصبحت مكوناً لثقافة شعبية واسعة في إعداد الأطعمة، وصارت تٌطبخ مع كل الأطعمة الأخرى الشائعة كالشاكرية والسبانخ وغيرها.

وقد ذكر خير الدين الأسدي في كتابه موسوعة حلب، 58 نوعاً من الكبة التي كانت شائعة لدى سكّان مدينة حلب فقط.

منها الكبّة الحلبية المشوية وهي التي تحشى بالشحم والجوز وتشوى على الفحم ويشرب إلى جانبها عصير الرمان لتسهيل هضمها.

والكبة المقلية التي تصنع على شكل أقراص صغيرة أو كما يسميها البعض “الدراويش” فتحشى باللحم المفروم والبصل والبقدونس والصنوبر وتقلى بالزيت وهي معروفة أيضاً في تركيا و أحيانأً يضاف إليها الرمان وإذا كانت كبيرة تسمى بالكبّة الطرابلسية.

إضافة إلى الكبة بالصينية والكبة بآرمان والكبة بسفرجلية والكبة بسماقية.

أما الكبّة العراقية فأهم أنواعها الكبة الموصلية الشهيرة وكبة التمن ويستخدم فيها الرز كبديل عن البرغل وكذلك كبة حلب وهي نوع من الكبة كان يستخدمها التجار البغداديون كطعام في سفرهم إلى حلب. ولذلك سميت بكبة حلب وهي غير معروفة في حلب أساساً.

الكبّة في الثقافة الشعبية العربية

في السابق كانت الكبة تدق في جرن حجر كبير بواسطة مطرقة أو ما يشابهها من أدوات الهرس. ثم تعجن باليدّ في وعاء كبير من الخزف. ونظراً لصعوبة عملية إعدادها كانت النساء تتباهى بقدراتهن الجسدية في صنع الكبّة ولم يكن يقوى عليها إلا الشابات ذوي الهمّة.

كما كان الشعراء ينظمون أبيات شعرية لصعوبة هذه العملية في، كما قال مصطفى زين الدين الحمصي:

دٌقت بجرنٍ بلا فتور    كبّة فرنٍ صنعة حور

مدت بسمن يجلو الصدور

في المقابل يذكر في بعض الثقافات العربية أيضاً أنه كان يُطلب من الشاب المتقدم لخطبة للفتاة أن يحمل “جرن الكبة” الذي يزن 50 كيلوغرام على أقل تقدير. وذلك كنوع من اختبار همّة الشاب وقوته.

فيما بعد ظهرت ماكينات الفرم الحديثة فتحولت صناعة الكبة لاستخدامها في كل الدول العربية تقريباً. ومع ذلك ما تزال بعض العوائل التقليدية تستخدم الطرق القديمة في الصناعة ويٌقال أن طعم الكبة بالطريقة التقليدية يكون أكثر لذة من طعم كبّة الماكينة.

وقد ذكر القدماء الكبّة في أشعارهم بكثير من التفنن والغزل برائحتها وطعم سمنها ومظهرها، حتى أن البعض شبهها بالفتاة الحسناء الفاتنة، فقال مصطفى زين الدين الحمصي في وصف الكبّة بالصينية:

كــبــّة فـيـه أحـاطـت غــرقــت بسمونٍ شمها يبري الزكام

نضجت في الفرن واللون حكى حمرة الخدين لهباً واضطرام

وبالرغم من أن الكبّة تعتبر طعام الأغنياء نظراً لكلفتها العالية وصعوبة صنعها، إلا أن هناك أنواعاً منها تعتبر قليلة التكلفة لعدم احتوائها على السمن أو اللحم ومنها مثلاً كبة الحيلة التي لا تحوي اللحم بل يكون الطحين قوامها ومنها أيضاً الكبة بعدس التي يدمج فيها البرغل والعدس مع بعض، وكذلك الكبّة النيّة التي يصنعها البعض بدون لحم ويعتبرها أتراك الأناضول وجبتهم المفضلة.

لماذا حلب أم المحاشي والكبب؟

تاريخياً احتلت حلب مكانة اقتصادية هامّة في كافة العصور الإسلامية وبالأخص منذ عصر أواسط الدولة العباسية وحتى الدولة العثمانية.

فكانت مركزاً تجارياً وصناعياً يٌقصد من كل البلاد. وربما شكّلت هذه المكانة درجة من الرفاه المادي لسكّان المدينة جعلتهم يتفننون في أنواع الأطعمة وطرائق صنعها.

ولأن المدينة كانت تستقبل التجار من كل النواحي كانت تستقبل معهم أيضاً ثقافاتهم المختلفة في الطعام فترى في حلب تقريباً كل الأطباق العربية بعد إعادة تشكليها بما يتوافق مع المزاج الحلبي الذي يحب الإسراف في اللحوم والسمن العربي.

كما أن موقع حلب القريب من البادية منحها اللبن واللحم الطازج بشكل يومي.ويظهر ذلك جلياً في موائد سكان حلب التي تحتل الكبّة موقع الصدر منها. ويذكر خير الدين الأسدي في موسوعة حلب المقارنة أن أجود أنواع الكبّة ما يصنع في غربي حلب نظراً لتوفر مادة البرغل الأسمر”العمقي” التي تمنح الكبّة مذاقاً مميزاً.

كما ذكر أن هناك أربع عوائل في مدينة حلب – آل كيخيا وآل رستم وآل الكيّالي وآل هنانو- كان لها السبق في تطوير الكبّة باستخدام هذا النوع من البرغل والتفنن بإضافة السمن والمكسرات إليها.

وهناك عائلة في حلب تتكنى بكنية “الكبّة” وعائلة أخرى بكنية “سماقية”.

وما زال أهالي مدينة حلب يحافظون على تراثهم في أكل الكبّة بل ويتفاخرون على سكّان المدن الأخرى بأنهم أبناء أم المحاشي والكبب.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.