السينمائي اللبناني خليل حنون … ” ليلة دسمة “

0 0
Read Time:4 Minute, 40 Second

قصة قصيرة كتبتها عام ٢٠١٠ زمن أنفلونزا الخنازير، وتنفع في أجواء الكورونا

“ليلة دسمة”

عطرها أكبر سناً من جاري التسعيني. عطر يذكرني برائحة متاجر الأغراض المستعملة والعتيقة لكنه أكثر حدة وأثقل حضوراً. كأنه عفونة عطر، عفونة مستعملة وعتيقة أيضاً

في لقائنا الأول لم أنزعج منه، ولم تتحرك حساسيتي الأنفية. جَلَسَتْ إليّ ببهاء طلّتها ومعها غمامة من مسك. شعرتُ أني بستان من الفرحة، وسرحت بعيوني هائماً في ملكوت وجهها، أنغام بشرتها، نسائم ضفائرها، نظراتها، حركات يدها، رقّة اناملها، طرف ابتسامتها، وكل تفاصيل مفاتنها الفوّاحة .
لكن في لقائنا الثالث، هذا العطر المعفن بدأ يتحول إلى مشكلة. يحاول الانتشار والسيطرة على كل ما تفوح به أنوثتها .

موعدنا الرابع كان في السينما .
جالسُ في صالة هادئة شبه فارغة مع إمرأة فارهة الجمال أشاهد معها فيلماً رومانسياً، وطيورها مسرورة بوجودي. إنها لحظات يحلم بها كل شاب ورجل على هذا الكوكب. لكن الرائحة، رائحة عطرها “مشوّش اللذات” أخذت تنتشر في أنفي وبيدها مطارق ومعاول. حاولت شغل نفسي بالفيلم تارة ، وبنعومة ساعدها الملتصق بشعر ساعدي تارة أخرى و … فجأة خطرت الفكرة،” لماذا لا أذهب إلى طبيب الحساسية، هو من لديه الحل الجذري للمشكلة .

أعطاني طبيب الحساسية إبرة كورتيزون في العضل، ووصف لي بخاخا أنفيا وحبوب دواء مضاد للحساسية. عدت إليه بعد أسبوع أطلب حلّاً آخر لأنه لم ينفع. هزّ كتفيه واعتذر “ آسف عزيزي لا يوجد علاج آخر . بعد شهر في المطعم الإيطالي، كنت أرفع المنديل الأبيض إلى وجهي متظاهراً بين لقمة وأخرى بمسح آثار الصلصة الحمراء، ونيتي الحقيقية هي التخفيف من وهج “مشوّش اللذات” وأضراره. ولأول مرة حدثتني عن هذا العطر، وكيف تشعر أنه “يكملها وجزء من شخصيتها.. وكيف أعادت اكتشاف ذاتها من خلاله .. !!” عند هذه الجملة، سمعت أحدهم يصرخ في داخلي “يا إلهي، يا إلهي” ويركض ليقفز من عيوني وهو يشدّ بشعر رأسه. لكن هذا الراكض جمد في مكانه عندما لمحها تغمزني ثم تقول بصوت هامس:” أتعلم أنني أجيد عمل لازانيا أفضل من هذه”…ثم أكملت مع ابتسامة محملة بالنوايا الدسمة.. ما رأيك أن أعزمك ليلة السبت عندي في البيت لتتذوقها وتحكم بنفسك .

الدعوة لتناول اللازانيا في منزلها تعني أنها وضعت قطار علاقتنا على سكة حامية، لكن كيف سأتحمل الوضع؟ فنصفها الآخر، أي هذا العطر اللعين ستدلقه على كامل جسدها. ستستحم به. وستنقع به فستانها وملابسها الداخلية، وربما شربت منه لتعطر فمها وأحشاءها. وشقتها في هذا الطقس القارس ستكون متخمة بالدفء، نوافذها محكمة الإغلاق، لن تدخلها نسمة واحدة إلا لحظة فتح الباب عند وصولي. باختصار سأكون في معتقل، وسيمارس علي أخبث نوع من أنواع التعذيب. إمرأة مجبولة بالفتنة والحلويات ترمي بنفسها على طاولتك، وأنفك الحساس هذا سيمنعك عنها. سيجعلك تتقيأ عليها وهي تدنو بأطباقها منك .

“لن أدع أنفي الحقير المعقد يتآمر علي ويمنعني من هذه الفرصة الأسطورية العرمرمية .

وانا داخل إلى مصعد الشركة، عطس زميلي “سامي” فشحت بوجهي بعيدا من الرذاذ الذي تطاير في هواء المصعد. نظر سامي إلي واعتذر وهو بالكاد يستطيع الكلام وأنفه محتقن بزكام من العيار الثقيل. قال :” يلعن أبو الإجازة، طلعنا نغير جو في تايلند رجعنا مزكومين .
هنا لمعت فكرة جهنمية. هجمت على سامي وأخذته بالأحضان قائلاً “الحمد لله على السلامة يا صاحبي، اشتقنالك. لك وحشة و…” ورحت أتنشق بصدر واسع كل الهواء والرذاذ حول سامي “المندهش”. عطسة سامي كانت حبل الإنقاذ . في صباح اليوم التالي بدأت براعم الزكام تتفتح. وجع في الرأس واحتقان في الأنف وكحة خفيفة. هناك دواء جلبه صديق لي من لندن . إن أخذت حبتين منه قبل اللقاء استطعت الصمود لمدة 8 ساعات. هذا الدواء جربته مراراً، يخفي عوارض الزكام الخارجية لكن حاسة الشم تكون شبه معطلة. ولن يؤنبني ضميري إن تطورت الأمور بيني وبينها ونقلت العدوى إليها. فهذا مجرد زكام وليس مرض نقص المناعة لا سمح الله

وصلت إلى باب شقتها وبيدي باقة ورد. فتحت لي فأُصبتُ بصواعق فتنتها من كل حدب وصوب. كانت متلألئة. لقد جمّلت نفسها بعناية فائقة ومدروسة. ومن البهجة الطافحة في عينيها قرأت أبرز العناوين الرائعة لمصيري في هذه الليلة الموعودة.
صحيح انني شعرت بحضور العطر الملعون وهو يحوم ويحوم حول أنفي، لكنه لم يتمكن من النفاذ إلى داخله. الحمد لله . لم أستطع تذوق اللازانيا كما يجب بسبب أنفي المعطل. لكني تظاهرت بأنها أطيب وأطعم لازانيا تذوقتها في حياتي. وبعد التحلية استأذنت منها لأخلع كنزتي. فالجو يزداد سخونة، بسبب المدفأة .
موسيقى الجاز الهادئة تغمر جو غرفة الجلوس، وأنا قربها على الكنبة ووجهها قريب مني، وصوتها يحدثني عن آخر كتاب قرأته وأنا سكران ببحته التي تشبه التعويذات .
علّقت على كلامها فضحكت وضحكت معها. ساد صمت. عيناها حدقت بي. لمستُ يدها واحتويتها بكفي مع ضغطة خفيفة ناقلا فيها بعضاً من لواعجي. ضاقت المسافة بيننا. أشاحت وجهها على مهل لتفتح لي الطريق إلى عنقها المرمري .
فجأة، تلفوني أخذ يرنّ . تناولته لأطفئه لكني لمحت إسم مديري فأحجمت. ”لا بد أن أمراً عظيماً حصل وإلا لماذا يتصل بي في مثل هذا الوقت ؟!!”. اعتذرت منها للضرورة وقلت لها “لا تتحركي حتى لا نعيد كل شئ من البداية” فضحكت وقالت “لا تخف، سنواصل من حيث توقفنا ..”
مديري بصوت متوتر: ” أين أنت؟”
أنا بصوت خافت: “ عشاء عند صديق”
مديري:” إبقى أنت وصديقك مكانكما”
أنا: ما الأمر ؟!! ما …
مديري :” زميلك سامي لديه فيروس انفلونزا خطير. عدوى أصابته في إجازته.الدنيا مقلوبة. مندوبو الصحة والأمن يريدون فحص وعزل كل من التقى به، ويسألون عنك .”
جمدت في مكاني .

مديري: “ أين أنت، مندوبو الصحة يريدون العنوان، سأعطيك أحدهم لتكلمـ …
قطعت المكالمة وأطفأت الهاتف مباشرة
أخذت نفساً طويلاً
لن أشغل بالي بالموضوع.ما حصل قد حصل، قلت في نفسي،
لن أخذل السجادة الحمراء التي فرشتها لي عند أعتاب عنقها المرمري. سأمشي بشفتي فوقها تحت ظلال جفونها المطبقة. هذه الليلة من العمر ، الليلة الأجمل وربما الأخيرة من نوعها .

أكملنا من حيث انتهينا، وبعد دقائق صعدت من عنقها إلى ضواحي فمها. فجأة، عطست عطسة قوية في وجهي، نظرت إلي معتذرة. وضعت يدها على أنفها، قامت وركضت سريعاً صوب الحمام. وفيما أنا أنتظر، والسكون بدأ يملأ المكان بثقله. شعرت بقهقهة خفية ساخرة، قهقهة أكبر سناً من جاري التسعيني، ومن متاجر الأغراض المستعملة والعتيقة .

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.